الجمعة 29 صفر 1439 - 17 نوفمبر 2017

حدث في التاسع عشر من صفر

الثلاثاء 25 صفر 1439 - 14 نوفمبر 2017 57 الأستاذ محمد زاهد أبو غدة 
حدث في التاسع عشر من صفر

في التاسع عشر من صفر من سنة 692= 27/1/1293 وقع الملك الأشرف خليل بن قلاوون معاهدة مع ملك إسبانيا خايمي الثاني، ويقال له جيمس الثاني، أوردها القلقشندي في كتاب صبح الأعشى في صناعة الإنشا، فقدم لنا رحمه الله صورة عن العلاقات الدولية بين دولة المماليك وبين دول الفرنجة التجارية مثل البندقية وجنوى وإسبانيا، وقبل أن نورد نص الإتفاقية نذكر نبذة عن الملكين اللذين أبرماها وعن دولتيهما، وعن الأمراء المشمولين بالمعاهدة والمذكورين في مقدمتها.

ولد الملك الأشرف صلاح الدين خليل بن قلاوون سنة 666، وتولى الحكم بعد وفاة أبيه سنة 689، وكان شجاعا مهيبا، عالي الهمة جوادا، فاستفتح مُلكه بالجهاد فقصد البلاد الشامية وقاتل الافرنج، فاسترد منهم عكة وصورا وصيدا وبيروت وقلعة الروم وبيسان وجميع الساحل، ولم يمتع طويلاً بالملك، فقد قتل وهو في الثلاثين من العمر؛ تآمر عليه الأمير بيدرا طمعاً في العرش، وقتله غيلة أثناء رحلة صيد في 3 من المحرم سنة 693، ولكن لم يتم الأمر لبيدرا فقتل وجعل أمراء المماليك أخا الملك الأشرف محمداً ملكاً مكانه وتسمى بالملك العادل.

أما الملك خايمي الثاني، ويلقب بخايمي العادل، فقد ولد سنة 662=1264وكان والده بيدرو الثالث، ويلقب؛ بيدرو الكبير، ملكاً على أراجون منذ سنة 675=1276، ولدى وفاة الوالد في سنة 684=1285 ورث خايمي حكم جزيرة صقلية التي كانت تحت سيطرة مملكة أراجون، فيما صار أخوه الأكبر ألفونسو الثالث ملك أراجون وكتالونيا وفالنسيا، ولدى وفاة أخيه في سنة 690=1291 صار ملكاً على أراجون، ودام حكم خايمي العادل 36 سنة حتى وفاته سنة 727=1327، وفي عهده تم إنشاء دار صناعة السفن في برشلونة والتي كان لها منذ ذلك الحين مكانة كبيرة في توطيد القوة البحرية الإسبانية، وكان ملكاً متديناً وكاتباً وشاعراً.

وأما أخوه دون ولذريك فهو الملك فريدريك الثالث، والابن الثالث للملك بدرو الثالث، وهو مولود في سنة 671=1272، وكان نائب والده ثم أخويه على صقلية، وأصبح ملكها في سنة 695=1296.

أما دون بيدرو فهو أصغر أبناء الملك بيدرو، وولد سنة 674=1275 ومات سنة 695=1296، وتزعم بعض المصادر أنه ابن غير شرعي له، ولكن هذه الوثيقة تضعف ذلك الزعم، ولم يتول منصباً رسمياً سوى مساعدة أخيه ألفونسو نائب الملك في كتالونيا.

أما دون شانجه ملك قشتالة، فهو الملك سانشو الرابع الذي ولد سنة 656= 1258، والذي تولى الحكم في هذه الممالك سنة وتوفي سنة 694=1295، وكان الملك خايمي الثاني قد عقد على ابنته وهي في الثامنة من عمرها، ولم يدخل بها لأنه بعد وفاة والدها تزوج لأسباب سياسية بأميرة من نابولي.

وسبب هذه الاتفاقية أن الملك خايمي العادل كان قد انتهى ظافرا من نزاعه مع قشتالة، وأراد أن يعزز من مكانة أراجون الاقتصادية، فوقع هذه الاتفاقية مع السلطان المملوكي في القاهرة، إذ كانت مصر ممر التجارة العابرة إلى أوروبا من الهند والصين، والقوة المهيمنة على سواحل المتوسط الشرقية وعلى ليبيا وتونس القريبتين من صقلية، وعقد خايمي العادل كذلك اتفاقية عدم اعتداء مع إمارة بني الأحمر في غرناطة.

قال القلقشندي رحمه الله:

وهذه نسخة هدنة، عقدت بين الملك الأشرف، صلاح الدين خليل ابن الملك المنصور سيف الدين قلاوون صاحب الديار المصرية والبلاد الشامية، وبين دون حاكم الريد أرغون، صاحب برشلونة من بلاد الأندلس، على يد رسله؛ أخويه وصهريه الآتي ذكرهم، في صفر سنة 692، وهي:

استقرت المودة والمصادقة بين الملك الأشرف، وبين حضرة الملك الجليل، المكرم، الخطير، الباسل، الأسد، الضرغام، المفخم، المبجل؛ دون حاكم، الريد أرغون، وأخويه دون ولذريك، ودون بيدرو، وبين صهريه اللذين طلب الرسولان الواصلان إلى الأبواب الشريفة عن مرسلهما الملك دون حاكم أن يكونا داخلين في هذه الهدنة والمصادقة، وأن يلتزم الملك دون حاكم عنهما بكل ما التزم به عن نفسه، ويتدارك أمرهما، وهما:

الملك الجليل، المكرم، الخطير الباسل، الأسد، الضرغام، دون شانجه، ملك قشتالة، وطليطلة، وليون، وبلنسية، وأشبيلية، وقرطبة، ومرسية، وجيان، والغرب، الكفيل بمملكة أرغون وبرتقال

والملك الجليل دون أتفونش ملك برتقال

من تاريخ يوم الخميس تاسع عشر صفر سنة 692، الموافق لثلاث بقين من جنير سنة 1293 لمولانا السيد المسيح عليه السلام، وذلك بحضور رسولي الملك دون حاكم، وهما: المحتشم الكبير؛ روصوديمار موند الحاكم، عن الملك دون حاكم بلنسية، ورفيقه المحتشم العمدة؛ ديمون المان قراري برجلونه، الواصلين بكتاب الملك دون حاكم، المختوم بختم الملك المذكور، المقتضي معناه أنه حملهما جميعاً أحوالهم ومطلوبهم، وسأل أن يقوما فيما يقولانه عنه، فكان مضمون مشافهتهما وسؤالهما تقرير قواعد الصلح والمودة والصداقة، والشروط التي يشترطها الملك الأشرف على الملك دون حاكم، وأنه يلتزم بجميع هذه الشروط الآتي ذكرها، ويحلف الملك المذكور عليها هو وأخواه وصهراه المذكورون، ووضع الرسولان المذكوران خطوطهما بجميع الفصول الآتي ذكرها، بأمره ومرسومه، وأن الملك دون حاكم وأخويه وصهريه يلتزمون بها؛ وهي:

استقرار المودة والمصادقة من التاريخ المقدم ذكره، على ممر السنين والأعوام، وتعاقب الليالي والأيام: براً وبحراً، سهلاً ووعراً، قرباً وبعداً.

وعلى أن تكون بلاد السلطان الملك الأشرف، وقلاعه، وحصونه، وثغوره، وممالكه، وموانئ بلاده وسواحلها، وبرورها، وجميع أقاليمها ومدنها، وكل ما هو داخل في مملكته، ومحسوب منها، ومنسوب إليها: من سائر الأقاليم الرومية، والعراقية، والمشرقية، والشامية، والحلبية، والفراتية، واليمنية، والحجازية، والديار المصرية، والغرب.

وحدُّ هذه البلاد والأقاليم وموانيها وسواحلها من البر الشامي من القسطنطينة والبلاد الرومية الساحلية، وهي: من طرابلس الغرب، وسواحل برقة، والإسكندرية، ودمياط، والطينة، وقطيا، وغزة، وعسقلان، ويافا، وأرسوف، وقيسارية، وعثليث، وحيفا، وعكا، وصور، وصيدا، وبيروت، وجبيل، والبيرون، وأنفة طرابلس الشام، وأنطرسوس، ومرقية، والمرقب، وساحل المرقب: بانياس وغيرها، وجبلة، واللاذقية، والسويدية وجميع المواني والبرور إلى ثغر دمياط وبحيرة تنيس. [ورد تحديدها هكذا وسترد طرابلس الغرب في محلها في الفقرة التالية، ومن الواضح أن هناك خطأً من الكاتب أو المحقق والناشر]

وحدها من البر الغربي: من تونس وإقليم إفريقية وبلادها وموانيها، وطرابلس الغرب وثغورها، وبلادها وموانيها، وبرقة وثغورها وبلادها وموانيها، إلى ثغر الإسكندرية ورشيد وبحيرة تنيس وسواحلها وبلادها وموانيها.

وما تحويه هذه البلاد والممالك المذكورة والتي لم تذكر، والمدائن والثغور والسواحل والمواني والطرقات في البر والبحر، والصدور والورود، والمقام والسفر، من عساكر وجنود، وتركمان وأكراد وعربان، ورعايا وتجار، وشواني ومراكب وسفن، وأموال ومواش، على اختلاف الأديان والأنفار والأجناس، وما تحويه الأيدي، من سائر أصناف الأموال والأسلحة والأمتعة والبضائع والمتاجر، قليلاً كان أو كثيراً، قريباً كان أو بعيداً، براً كان أو بحراً؛ آمنة على الأنفس والأرواح، والأموال والحريم والأولاد، من الملك دون حاكم ومن أخويه وصهريه المذكورين، ومن أولادهم، وفرسانهم وخيالتهم، ومعاهديهم، وعمائرهم، ورجالهم، وكل من يتعلق بهم، وكذلك كل ما سيفتحه الله تعالى على يد الملك الأشرف، وعلى يد أولاده وعساكره وجيوشه، من القلاع والحصون، والبلاد والأقاليم، فإنه يجري عليه هذا الحكم.

وعلى أن تكون بلاد الملك دون حاكم بلاد أخويه وصهريه وممالكه المذكورة في هذه الهدنة، وهي: أرغون وأعمالها وبلادها، صقلية وجزيرتها وبلادها وأعمالها، بربولية وأعمالها وبلادها، جزيرة مالقة، وقوصرة وبلادها وأعمالها، وميورقة ويابسة وبلادها، وأرسويار وأعمالها، وما سيفتحه الملك دون حاكم من بلاد أعدائه الفرنج المجاورين له بتلك الأقاليم؛ آمنين من الملك الأشرف وأولاده، وعساكره وجيوشه، وشوانيه وعمائره، هي ومن فيها من فرسان وخيالة ورعايا وأهل بلاده؛ آمنين مطمئنين على الأنفس والأموال، والحريم والأولاد، في البر والبحر، والصدور والورود.

وعلى أن الملك دون حاكم هو وأخواه وصهراه أصدقاء من يصادق الملك الأشرف وأولاده، وأعداء من يعاديهم من سائر الملوك الفرنجية وغير الملوك الفرنجية. وإن قصد البابُ برومية، أو ملك من ملوك الفرنج: متوجاً كان أو غير متوج، كبيراً كان أو صغيراً، أو من الجنوية، أو من البنادقة، أو من سائر الأجناس على اختلاف الفرنج والروم، والبيوت؛ بيت الإخوة الديوية، والاسبتارية، والروم، وسائر أجناس النصارى: مضرة بلاد الملك الأشرف، بمحاربة أو أذية، يمنعهم الملك دون حاكم هو وأخواه وصهراه ويردونهم، ويعمرون شوانيهم ومراكبهم، ويقصدون بلادهم، ويشغلونهم بنفوسهم عن قصد بلاد الملك الأشرف وموانيه وسواحله وثغوره المذكورة، ويقاتلونهم في البر والبحر بشوانيهم وعمائرهم، وفرسانهم وخيالتهم ورجالتهم.

وعلى أنه متى خرج أحد من معاهدي الملك الأشرف من الفرنج عن شروط الهدنة المستقرة بينه وبينهم، ووقع ما يوجب فسخ الهدنة، لا يعينهم الملك دون حاكم ولا أحد من أخويه ولا صهريه، ولا خيالتهم، ولا فرسانهم، ولا أهل بلادهم، بخيلٍ ولا خيالةٍ، ولا سلاح ولا رجالة، ولا مال ولا نجدة، ولا ميرة، ولا مراكب ولا شواني، ولا غير ذلك.

وعلى أنه متى طلب البابُ برومية، وملوك الفرنج، والروم، والتتار، وغيرهم من الملك دون حاكم أو أخويه أو صهريه أو من بلادهم، إنجاداً أو معاونة، بخيالة، أو رجالة، أو مال، أو مراكب، أو سلاح؛ لا يوافقهم على شيء من ذلك، لا في سر ولا في جهر، ولا يُعِينُ أحداً منهم ولا يوافقه على ذلك. ومتى اطلعوا على أن أحدا ًمنهم يقصد بلاد الملك الأشرف لمحاربته أو لمضرته بشيء، يعرَّف الملك الأشرف بخبرهم، وبالجهة التي اتفقوا على قصدها في أقرب وقت، قبل حركتهم من بلادهم، ولا يخفيه شيئاً من ذلك.

وعلى أن متى انكسر مركب من المراكب الإسلامية في بلاد الملك دون حاكم، أو بلاد أخويه أو بلاد صهريه، فعليهم أن يخفروهم، ويحفظوا مراكبهم وأموالهم، ويساعدوهم على العمارة لمراكبهم، ويجهزوهم وأموالهم وبضائعهم إلى بلاد الملك الأشرف. وكذلك إذا انكسرت مركب من بلاد دون حاكم، وبلاد أخويه وصهريه، ومعاهديه في بلاد الملك الأشرف، يكون لهم الحكم المذكور أعلاه.

وعلى أنه متى مات أحد من تجار المسلمين من نصارى بلاد الأشرف، أو ذمة أهل بلاده، في بلاد الملك دون حاكم وبلاد أخويه وصهريه وأولاده ومعاهديه، لايعارضوهم في أموالهم ولا في بضائعهم، ويحمل مالهم وموجودهم إلى بلاد الملك الأشرف ليفعل فيه ما يختار. وكذلك من يموت في بلاد الملك الأشرف من أهل مملكة الملك دون حاكم وبلاد أخويه وصهريه ومعاهديهم، فلهم هذا الحكم المذكور أعلاه.

وعلى أنه متى عبر بلاد الملك دون حاكم أو بلاد أخويه أو صهريه أو معاهديه رسل من بلاد الملك الأشرف قاصدين جهة من الجهات القريبة أو البعيدة، صادرين أو واردين، أو رماهم الريح في بلاده، تكون الرسل وغلمانهم وأتباعهم، ومن يصل معهم من رسل الملوك أو غيرهم؛ آمنين محفوظين في الأنفس والأموال، ويجهزهم إلى بلاد الملك الأشرف.

وعلى أن الملك دون حاكم وأخويه وصهريه متى جرى من أحد من بلادهم قضية توجب فسخ المهادنة، كان على كل من الملك دون حاكم وأخويه وصهريه طلب من يفعل ذلك وفعل الواجب فيه.

وعلى أن الملك دون حاكم وأخويه وصهريه يفسح كل منهم لأهل بلاده وغيرهم من الفرنج، أنهم يجلبون إلى الثغور الإسلامية، الحديد والبياض والخشب وغير ذلك.

وعلى أنه متى أُسر أحد من المسلمين في البر أو البحر، من مبدأ تاريخ هذه المهادنة من سائر البلاد: شرقها وغربها، وأقصاها وأدناها، ووصلوا به إلى بلاد الملك دون حاكم وبلاد أخويه وصهريه ليبيعوه بها، فيلزم الملك دون حاكم وأخويه وصهريه فك أسره وحمله إلى بلاد الملك الأشرف.

وعلى أنه متى كان بين تجار المسلمين وبين تجار الملك دون حاكم وأخويه وصهريه معاملة في بضائعهم، وهم في بلاد الملك الأشرف كان أمرهم محمولاً على موجب الشرع الشريف.

وعلى أنه متى ركب أحد من المسلمين في مراكب بلاد الملك دون حاكم وأخويه وصهريه، وحمل بضاعته معهم وعدمت البضاعة، كان الملك دون حاكم وعلى أخويه وصهريه ردها إن كانت موجودة، أو قيمتها إن كانت مفقودة.

وعلى أنه متى هرب أحد من بلاد الملك الداخلة في هذه المهادنة إلى بلاد الملك دون حاكم وأخويه وصهريه، أو توجه ببضاعة لغيره وأقام بتلك البلاد، كان على الملك دون حاكم وعلى أخويه وصهريه رد الهارب أو المقيم ببضاعة غيره والمال معه إلى بلاد الملك الأشرف ما دام المذكور مسلماً؛ وإن تنصر، يرد المال الذي معه خاصة. ولمملكة الملك دون حاكم وأخويه وصهريه فيمن يهرب من بلادهم إلى بلاد الملك الأشرف هذا الحكم المذكور أعلاه.

وعلى أنه إذا وصل من بلاد الملك دون حاكم وبلاد أخويه وصهريه ومعاهديه من الفرنج من يقصد زيارة القدس الشريف، وعلى يده كتاب الملك دون حاكم وختمه إلى نائب الملك الأشرف بالقدس الشريف، يفسح له في الزيارة مسموحاً بالحق ليقضي زيارته ويعود إلى بلاده آمناً مطمئناً في نفسه وماله، رجلاً كان أو امرأة، بحيث إن الملك دون حاكم لا يكتب لأحد من أعدائه ولا من أعداء الملك الأشرف في أمر الزيادة بشيء.

وعلى أن الملك دون حاكم يحرس جميع بلاد الملك الأشرف هو وأخواه وصهراه من كل مضرة، ويجتهد كل منهم في أن أحداً من أعداء الملك الأشرف لا يصل إلى بلاد الملك الأشرف، ولا ينجدهم على مضرة بلاد الملك الأشرف ولا رعاياه، وأنه يساعد الملك الأشرف في البر والبحر بكل ما يشتهيه ويختاره.

وعلى أن الحقوق الواجبة على من يصدر ويرد ويتردد من بلاد الملك دون حاكم وأخويه وصهريه، إلى ثغري الإسكندرية ودمياط، والثغور الإسلامية، والممالك السلطانية، بسائر أصناف البضائع والمتاجر على اختلافها، تستمر على حكم الضرائب المستقرة في الديوان المعمور إلى آخر وقت، ولا يحدث عليهم فيها حادث. وكذلك يجري الحكم على من يتردد من البلاد السلطانية إلى بلاد الملك دون حاكم وأخويه وصهريه.

تستمر هذه المودة والمصادقة على حكم هذه الشروط المشروحة أعلاه بين الجهات على الدوام والاستمرار، وتجري أحكامها وقواعدها على أجمل الاستقرار؛ فإن الممالك بها قد صارت مملكة واحدة وشيئاً واحداً؛ لا تنتقض بموت أحد من الجانبين، ولا بعزل والٍ وتولية غيره، بل تؤيد أحكامها، وتدوم أيامها، وشهورها وأعوامها. وعلى ذلك انتظمت واستقرت في التاريخ المذكور أعلاه، وهو كذا وكذا، والله الموفق بكرمه إن شاء الله تعالى.

ثم قال القلقشندي رحمه الله معلقاً على خمس معاهدات أوردها كانت هذه أخراها: قلت: وهذه النسخ الخمس المتقدمة الذكر نقلتها من تذكرة محمد بن المكرم، أحد كتاب الإنشاء بالدولة المنصورية قلاوون المسماة: تذكرة اللبيب، ونزهة الأديب. من نسخة بخطه، ذكر فيها أن النسخة الأولى منها كتبها بخطه على مدينة صفد. وليس منها ما هو حسن الترتيب، رائق الألفاظ، بهج المعاني، بليغ المقاصد، غير النسخة الأخيرة المعقودة بين الملك الأشرف وبين الملك دون حاكم. أما سائر النسخ المتقدمة فإنها مبذلة الألفاظ، غير رائقة الترتيب، لا يصدر مثلها من كاتب عنده أدنى ممارسة لصناعة الكلام. والعجب من صدور ذلك في زمن الظاهر بيبرس والمنصور قلاوون، وهما من عظماء الملوك، وكتابة الإنشاء يومئذ بيد بني عبد الظاهر الذين هم بيت الفصاحة ورؤوس أرباب البلاغة!!! ولعل ذلك إنما وقع، لأن الفرنج كانوا مجاورين للمسلمين يومئذ ببلاد الشام، فيقع الاتفاق والتراضي بين الجهتين على فصل فصل، فيكتبه كاتب من كل جهة من جهتي المسلمين والفرنج بألفاظ مبتذلة غير رائقة، طلباً للسرعة، إلى أن ينتهي بهم الحال في الاتفاق التراضي إلى آخر فصول الهدنة، فيكتبها كاتب الملك المسلم على صورة ما جرى في المسودة، ليطابق ما كتب به كاتب الفرنج؛ إذ لو عدل فيها كاتب السلطان إلى الترتيب، وتحسين الألفاظ وبلاغة التركيب، لاختل الحال فيها عما وافق عليه كاتب الفرنج أولاً، فينكرونه حينئذ، ويرون أنه غير ما وقع عليه الاتفاق لقصورهم في اللغة العربية، فيحتاج الكاتب إلى إبقاء الحال على ما توافق عليه الكاتبان في المسودة. وبالجملة فإنما ذكرت النسخ المذكورة - على سخافة لفظها، وعدم انسجام ترتيبها - لاشتمالها على الفصول التي جرى فيها الاتفاق فيما تقدم من الزمان، ليستمد منها الكاتب ما لعله لا يحضر بباله من مقاصد المهادنات، أغنانا الله تعالى عن الحاجة إليها.

واعلم أنه قد جرت العادة، أنه إذا كتبت الهدنة، كُتِبَ قرينَها يمينٌ يحلف بها السلطان أو نائبه القائم بعقد الهدنة، على التوفية بفصولها وشروطها، ويمين يحلف عليها القائم عن الملك الكافر بعقد الهدنة، ممن يأذن له في عقدها عنه، بكتاب يصدر عنه بذلك، أو تجهز نسختها إلى الملك الكافر أن يحلف عليها، ويكتب خطه بذلك، وتعاد إلى الأبواب السلطانية.

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا