الجمعة 29 صفر 1439 - 17 نوفمبر 2017

التصور الإسلامي للإنسان أساس لفلسفة الإسلام التربوية -4-

الأربعاء 19 صفر 1439 - 8 نوفمبر 2017 42 د. جعفر شيخ إدريس

 

الخير الذي فُطر عليه الإنسان:

ما هو هذا الخير الذي فطر عليه الإنسان؟

يؤخذ من مجموعة النصوص التي أوردناها سابقاً أن جوهر هذا الخير يتمثل في:

1- السلامة من العيوب (كما تولد البهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء)؟.

2- الاعتراف بعبودية الإنسان لخالق واحد [فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا] {الرُّوم:30} (كل مولود يولد على هذه الملة).

ولكنَّ هذا الجوهر ترتبط به أنواع أخرى من الخير الفطري تدل عليها نصوص أخرى دلالة صريحة تارة وضمنية تارة أخرى.

3- أصول القيم الأخلاقية: فالله تعالى فطر الإنسان على أن الشكر خير وهو محمود، الجحود شر مذموم، وكذلك قل في العدل والجور، والأمانة والخيانة والاعتراف بالحق وإنكاره.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنَّ الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال ثم علموا من القرآن و من السنة). فهذا دليل صريح على أن الناس مفطورون على الأمانة.

ويقول الله تعالى: [هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ] {الرَّحمن:60}.

ويقول: [أَفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كَالمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ] {القلم:35-36}.

فهاتان الآيتان لا تعلمان الإنسان أنَّ جزاء الإنسان ينبغي أن يكون إحساناً، أو أن مصير المحسن ينبغي أنّ لا يكون كمصير المسيء. وإنما هما تفترضان أن الإنسان يعلم هذا، ولهذا تستنكران عليه أن يحكم بغير هذا الذي يعرفه.

4- ما يسمى بالقوانين العقلية كالعلم بأن الأشياء لا تأتي من العدم، وأن الشيء لا يخلق نفسه، وأن الكلام المتناقض باطل.

وفي هذا يقول الله تعالى: [أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الخَالِقُونَ] {الطُّور:35} ويقول سبحانه [وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا] {النساء:82}.

5- القيم الجمالية كحب الجمال والنظافة والنظام.. الخ. إلى جانب هذا الخير المحض الذي فطر الله تعالى عليه الإنسان فإنه منحه القوى وهي في ذاتها خير لكننا يمكننا أن ننحرف بها فنجعلها شراً.

من ذلك:

1- القدرة على العمل.

2- القدرة على التفكير.

وإشارة إلى هذين يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (أصدق الأسماء حارث وهمام) أي أن هذه أسماء تدل دلالة صادقة على حقيقة الإنسان فهو حارث عامل وهو همام مفكر.

3- القدرة على الاختيار.

[فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ] {الكهف:29}.

4- السعي لحفظ النفس والنوع بالأكل والشرب والسكن واللباس والنكاح.

إذا كان الإنسان مفطوراً على الخير فلماذا إذن يفعل الشر؟

هذه إحدى الشبهات بل لعلها أقوى الشبهات التي يشغب بها على القول بأصالة الخير في النفس البشرية وهي شبهة تشد كثيراً من الناس وتدعوهم إلى الأخذ بنظرية الحياد.

ولعل أساس هذه الشبهة هو التصور الخاطئ لمفهوم الفطرة. فعبارة الإنسان مفطور على الخير تعني عند هؤلاء: أنه مطبوع على إرادته وفعله طبعاً لا ينفك عنه. ولكن الواقع أنه ينفك عنه وإذن فهو ليس مفطوراً عليه، بل إنما يولد محايداً: إن شاء فعل الخير وإن شاء تركه وفعل الشر.

ولكن الفطرة لا تدل على هذا المعنى الذي يجعلها متناقضة مع المشيئة الإنسانية، والذي يسوي بين فعل الخير وحركات النباتات والجمادات التي لا إرادة لها.

فطر الإنسان على الخير معناه كما قلنا سابقا:

(أ) إن الله تعالى صاغ الإنسان وكوَّنه وركبه بحيث لا يصلح له إلا الخير.

(ب) وأنه تعالى تفضل فجعل المعرفة بهذه الحقيقة أمرا مستقرا في نفس الإنسان لا يحتاج لأن يتعلمه من الخارج. وإن كان العلم الخارجي يزيده قوة.

ولكنَّ الله تعالى جعل الإنسان مخلوقاً ذا إرادة إن شاء سار في طريق الخير الذي تدل عليه فطرته، وإن شاء تمرد على فطرته كما يتمرد على الدلائل العقلية والآيات الكونية والرسالات السماوية.

إن الله تعالى يتفضل فيعرف الإنسان بالخير ويبينه له ويدعوه إليه دعوة تأتيه من داخل نفسه ومن دلائل عقله ومن الآيات الكونية ومن الرسالات السماوية ولكنه يتركه بعد ذلك حراً إن شاء قبل هذه الدعوة وإن شاء ردها كافراً.

وفي معنى هذا البيان الفطري يقول الله تعالى:

[إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا] {الإنسان:3}.

[وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا(7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا(8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا(9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا(10) ]. {الشمس}..

انظر الحلقة الثالثة هــــــنا 

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا