الجمعة 29 صفر 1439 - 17 نوفمبر 2017

الحُبّ -1-

الثلاثاء 11 صفر 1439 - 31 أكتوبر 2017 60 العلامة محمد الغزالي

قال الله تبارك وتعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ] {المائدة:54}.

هذه الآية عرضت لمحبة الله جل وعز، ولبعض آثارها العملية، في فترة من تاريخ الإسلام كان يحتاج فيها إلى أخلاق معينة.

والقوم الذين أحبهم الله تعالى وأحبوه، ذُكروا في سياق الآية على أنهم بدل من قوم آخرين نزلوا عن هذه المرتبة، لم ترشحهم خلالهم ومسالكهم لمحبة الله تعالى، بل ما زالوا يتدلون في مهاوى السوء حتى عُدوا مرتدين عن الإسلام.

والارتداد ـ الذي توعد الله أهله بالطرد ـ هو في نظري نتيجة سيرة طويلة يصحبها التفريط والالتواء، ولست أظنه جاء دفعة واحدة.

إنه يبدأ استثقالاً للواجبات واستحلاءً للآثام، ثم عكوفاً على هذه وتمرداً على تلك، ثم ميلاً لأهل السوء وانحرافاً عن أهل الخير.

وعندما يكون هوى الرجل مع المبطلين، وعندما يكون انتصاره لهم، فهو مرتد يقيناً عن الإسلام!!

وما بقاء رجل على دين ينفر من تعاليمه ويخون أمته؟ [أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ] {المائدة:41}.

وإذ يدبر هؤلاء عن الله وحقوقه، يجئ آخرون في قلوبهم حياة ومودة، يحبون ربهم ويلقون أمره بالإعظام والحفاوة.

وولاؤهم لله تعالى يُدنيهم من كل مؤمن به، ويكرههم في كل فاسق عن أمره، ويطلقهم في العالم سلماً لأوليائه حرباً على أعدائه، تنهض بهم رسالات الخير، وتنهزم أمامهم ألوان الشرور.

وإذا صحَّت محبة الله سبحانه في قلب امرئ فقد تبوأ قمة الكمال، وتهيأ لفضل من الله جزيل!

نعم، إن نشوء هذه العاطفة ونماءها يسبقها اصطفاء خاص، والشعور بحب الله جل وعلا ليس متاحاً لكل إنسان إنه سمو يتخير الله له من يشاء، ولذلك ختمت الآية السابقة بهذا التذييل: [ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ] {الجمعة:4}.

إنها منَّة تسيل من عين الجود قبل أن تكون كسباً تتجه إليه الإرادة!.

ومن حقك أن تسأل: كيف ذلك؟ أليس هذا الكلام مما يُقعد الهمم ويبذر اليأس؟؟ ونجيب: كلا، والأمر يحتاج إلى زيادة إيضاح.

إن المواهب الإنسانية الرفيعة لا تنشأ أصلاً من كسب الإنسان، بل لابدَّ أن يسبقها استعداد فطري يولد المرء به، ولا يد له فيه.

وجمهور العباقرة والممتازين ترجع عظمتهم ابتداء إلى أصالة في معادنهم الفكرية والنفسية لا توجد في غيرهم، ثم يتعهدون هذه الطبائع الفذة بما يبلغ بها الغاية.

ويمكن أن ينضاف إلى الغرائز الأولى تفاوت عناصر البيئة، فرب بيئة أخمدت ما في النفوس من وقدات ملتهمة، وأهالت عليها التراب، ورب بيئة نفخت في هذه النفوس ما يهيج ضرامها ويرفع شعلتها.

وما ينغرس في الجبلات من خلال، وما تضطرب به المجتمعات من أحداث شأن يعود إلى الأقدار العليا لا إلى إرادتنا المحدودة.

إنَّ الإيمان نفسه يمكن عده فضلاً، من هذه الزاوية ، فقد كان من الجائز أن نولد، أنا وأنت، أرواماً أو أعاجم لا ندرى ما الكتاب ولا الإيمان.

فإذا متنا على هذا الحال، وعاملنا الله بقانون العدل لم يعذبنا وحسب.

أما التأهيل للنعيم المقيم فلابدَّ له من يقين وصلاح وجهاد، وذلك كله تلده بيئة دون أخرى ـ من أجل ذلك وصف الله التوفيق للإيمان بأنه فضل فقال:[سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ] {الحديد:21}.

إن صدقة الغني عمل مشكور يدخر له يوم القيامة، بيد أن الفضل الأول لمن أغناه فأقدره على النفقة في سبيله.

فكسب العبد بيده أو قصده بقلبه لا ينسيان منة الوهاب الكبير ولذلك ننسب لله تعالى الفضل في كثير من الأعمال التي نقوم بها عن اختيار محض.

وعاطفة الحب الإلهي إذا انقذفت في فؤاد مؤمن فإن الله تعالى هو الذي أولى هذا الشرف.

وأفاء تلك النعمة، وليس أحد يملك أن يفرض على الله صداقته.

حقاً إنه تبارك اسمه ، لا يضيع زلفى متودد إليه؟ ولكنه يمنح وده من شاء صدقة منه على من اصطفى من عباده.

وبديهي أن الله تعالى يعطى من تعرض لعطائه؟ ويضع الخير في الأيدي الممدودة إليه.

أما من أدبر وتولى؟ فلا شيء له إلا الطرد والهوان.

ومحبة الله تنغرس في قلوب العارفين به.

والمعرفة كما تكون عن جهد الإنسان في الفكر، والذكر، والتأمل، والتنزيه تكون فيما يكشفه الحق عن عظمة الذات وجمالها لبصائر المتعلقين به وعلى قدر هذا الانكشاف يكون الإعظام والحب والتفاني.

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. 

المصدر : كتاب الجانب العاطفي من الإسلام

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا