الأربعاء 3 ربيع الأول 1439 - 22 نوفمبر 2017

من آداب اللياقة في الإسلام

الخميس 28 محرم 1439 - 19 أكتوبر 2017 96 الشيخ عبد الوهاب حمودة

عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه نَهَى عن أن يُقامَ الرجُلُ من مجلِسه ويجلسَ فيه آخر، ولكن تفسَّحُوا وتوَسَّعُوا) رواه مسلم.

إن الإسلام دين الذَّوق السليم والأدب الفطري، يحرص على أن تظل العلاقات بين أفراد مجتمعة سليمة لا تخدش وأن تبقى الصِّلات النفسية قوية لا تخمش، فيرشد أهله إلى اللطف والرفق، والرقة والذوق، والكياسة واللياقة، والتآلف والتعاطف.

لذلك جاء هذا الحديث يبين ضروباً من آداب المجالس كثيراً ما يستهتر بها، فتضيق النفوس، وتنقر القلوب، وتحرج الصدور، فتتولد الحزازات، وربما تطورت إلى مشاكسات ومشاغبات، مع أن الأمور هيِّن يسير، وإذا ما روعي وحوف عليه فهو ليس جِدَّ خطير.

في هذا الحديث ينبه صلى الله عليه وسلم بما نبهت عليه الآية الكريمة في قوله تعالى:[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي المَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ] {المجادلة:11}.

وإنَّ تناول القرآن والحديث لهذا النوع من الأدب لدليل على دقته وميل النفوس إلى التهاون فيه، والتساهل في مخالفته، فإن ظاهر الحديث يدل على حكمين:

أحدهما: النهي عن أن يقام الرجل من مجلسه الذي جلس فيه ويجلس فيه غيره.

والثاني: الأمر بالتفسح فيما بين الجلاس والتوسع إذا دخل عليهم.

والكلام على هذا الحديث من وجوه: 

منها: هل ذلك عام في كل المجالس أو هو في مجالس مخصوصة؟

صيغة اللفظ تعطي العموم، وقواعد الشرع تخصصه بالمواضع المباح للناس دخولها أو الجلوس فيها، إما على العموم للناس كلهم، هو لله تعالى أو ما يشبه ذلك، أو على الخصوص، مثل من يدعو قوماً مخصوصين إلى منزله في وليمة أو غيرها مما أجازته الشريعة.

فهذه المجالس من جلس فيها مجلساً فلا يقام منه ويجلس فيه غيره.

والحكمة في ذلك ظاهرة من وجهين: 

أحدهما: منع تكبير بعضنا على بعض، لأن إزالة هذا من مجلسه وإجلاس غيره فيه استنقاص بالقائم واستصغار له، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (إنه أوحي إليَّ أن لا يفخر بعضكم على بعض، ولا يتكبر بعضكم على بعض).

وهو أيضاً مما يوجب الضغائن في الصدور والأحقاد، وقد نهينا عن ذلك.

والوجه الآخر: أن المباح كله، الناس كلهم فيه على حد سواء، الرفيع والوضيع، فمن سبق إلى شيء منه فقد استحقه، ومن استحق شيئاً من الأشياء بوجه شرعي، فإذا أخذ منه بغير وجه شرعي فقد غصبه، والغصب حرام بدليل الإجماع.

فمن جلس في مجلس من تلك المجالس المتقدم ذكرها فقد استوجبه بوجه شرعي فلا يقام منه، لأنه هو المستحق له، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (من سبق على ما لم يُسبق إليه فهو أحق به).

وروى البخاري: (كان ابن عمر يكره أن يقوم الرجل من مجلسه ثم يجلس مكانه).

ذكر ابن كثير في تفسيره أن الفقهاء اختلفوا في جواز القيام للوارد إذا جاء، على أقوال:

فمنهم من رخص في ذلك محتجاً بحديث: (قوموا إلى سيدكم).

ومنه من منع من ذلك محتجاً بحديث: (من أحب أن يتمثل له الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار).

ومنهم من فصَّل فقال: يجوز عند القدوم من سفر، وللحاكم في محل ولايته، كما دلَّ عليه قصة سعد بن معاذ، فإنه لما استقدمه النبي صلى الله عليه وسلم حاكماً في بني قريظة فرآه مقبلاً قال للمسلمين: (قوموا إلى سيدكم) وما ذاك إلا ليكون أنفذ لحكمه، فأما اتخاذه ديناً فإنه من شعار العجم.

وقد جاء في السنن أنه لم يكن شيء أحب إليهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان إذا جاء لا يقومون له لما يعلمون من كراهته لذلك.

وبقي هنا بحث، وهو أنه إن فعل الجالس ذلك من تلقاء نفسه هل يدخله شيء من النهي؟

فالظاهر أنه ليس فيه كراهة متى كان الفعل سالماً من الشوائب كخوف أو إشارة بتهديد أو ما في معنى ذلك.

وأما قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث: (ولكن تفسحوا وتوسعوا) فهل هما لفظان مترادفان لمعنى واحد، أو لكل لفظ معنى؟

الأولى: أن يحمل كل واحد منهما على معنى، فإن ذلك أكبر فائدة، فيكون معنى (تفسحوا) أي: وسعوا فيما بينكم للداخل أن يقعد، ويكون معنى (توسعوا) أي: توسعوا عنه بأن ينضم بعضهم إلى بعض حتى يبقى له في المجلس مكان يقعد فيه، فإن السُنة أن الداخل يجلس حيث ينتهي به المجلس، فلما لم يبق لهذا الداخل من المجلس مكان يجلس فيه أمرنا بأن ينضم بعضنا إلى بعض فيتوسع بذلك المجلس فيبقى في آخره لهذا الداخل مكان يجلس فيه.

فيكون صلى الله عليه وسلم قد خيَّر أهل المجلس أن يفعلوا مع الداخل أحد هذين الوجهين، أيهما فعلوا فقد أصابوا السُنة، لكن بشرط أن يكون المجلس يحمل هذا بلا ضرر على الجلاس، لأنه قد قال صلى الله عليه وسلم: (لا ضرر ولا ضرار).

مثال ذلك: أن يدخل شخص والمجلس قد غصّ بأهله فيفسحوا له ويوسعوا، ثم ثان كذلك، ثم ثالث كذلك ثم رابع، فإذا لم يطيقوا لكثرتهم وضيق المجلس أن يفسحوا أو يوسعوا إلاَّ وعليهم ضرر في ذلك فلا يلزمهم من ذلك شيء، لكن من حسن المعاملة أن يعتذر له حتى ينصرف وهو طيب النفس، لقوله تعالى:[وَلَا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ] {فصِّلت:34}.

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. 

المصدر: مجلة لواء الإسلام العدد الأول من السنة السابعة، 1372، 1953.

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا