الجمعة 29 صفر 1439 - 17 نوفمبر 2017

قيمةُ كلِّ امرئٍ ما يُحسنُه

الأربعاء 27 محرم 1439 - 18 أكتوبر 2017 79 رابطة خطباء الشام

 

مقدمة:

كلُّ أمة تأخرت، وعن إدراك ما فيه خيرُها وصلاحُها عجزت، تجدها لا يقَرُّ لها قرار، ولا تهدأ لها أفكار، بل هي آناء الليل وأطراف النهار، تطلب ضالّتها المنشودة، وجوهرتَها المفقودة، إلى أن تصل إلى غايتها المطلوبة، ومسألتها المرغوبة.

وإنّ الغيور على دينه وأمته يُجيل النظر فيما تكون به عزةُ أمتِه ورفعةُ دينه.

وإنّ مما يحدو بالأمم لو تدبر كلُّ ذي لُب نحوَ رُقِيِّها وازدهارِها، الجدُّ في العلم والعمل، نَعم العلمُ والعملُ، فتجعلُ العلمَ نبراسها والعملَ نهجها وسبيلها.

وإنه لا فلاحَ لأمةٍ إلا بهما أي العلم والعمل، وكما أنّ أمةً من الأمم لا تقوم وتنهض إلا بهما فكذلك لا ينهض كلُّ واحدٍ منهما إلا بصاحبه، فلا خيرَ في علمٍ بلا عمل، ولا خيرَ في عملٍ بلا علم.....

وليس الأمرُ بالتشهي ولا بالتمني، بل بالسعي الجادِّ والعملِ الدؤوب، قال تعالى: {لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ? مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا} [النساء: 123].

يقول أحد الحكماء مبيناً ارتباط العلم بالعمل، وارتباطَهما بصحوة الأمة: "فإنّ فلاح الأمة في صلاح أعمالها، وصلاحُ أعمالها في صحة علومها، وفي أن يكون رجالُها أمناءَ فيما يرْوون أو يصِفون".

وقد بلغتْ شريعتُنا الغرّاء في الحث على إتقان العمل وإحسانه أن جعلت إحسانَ العمل نابعاً من الإيمان والتدين السليم.

مِن هنا نفقه كيف جعل المصطفى عليه الصلاة والسلام النقصَ في الأعمال والغشَّ في الصنائع من علامات الساعة إذْ يرِقُّ الدين في نفوس الناس، فقال صلى الله عليه وسلم: (يتقارب الزمان وينقص العمل ويلقى الشح وتظهر الفتن) [ 1 ]

ونقصانُ العمل: أي ظهور الخيانة في الأمانات والصناعات.

ورضي الله عن علي بن أبي طالب إذ يقول: "قيمةُ كلِّ إنسان ما يُحسنه".

ذلك لأن الأعمار هي الأعمال، وبالإحسان فيها تتفاوت قيمةُ الرجال، وأنّ ذلك لا يرجع إلى وزن بميزان، وإنما هو عقلٌ مفكر، ولسانٌ متذكر، ومن لا عملَ له فلا عُمْرَ له، فوقتٌ لا تعملُ فيه شيئاً لا يُعتبر ولا يُعتدُّ به!

وهل الأعمارُ إلا بالأعمال!؟ 

ومن لا أثرَ له في الدين يمتثّل به أمرَ ربِّه، ولا أثرَ له في الدنيا تزدانُ به صحيفةُ كسبِه، فوجودُهُ عَدَمٌ، وعُقباهُ نَدَمٌ، وحياتُهُ مسلوبةُ 

"كلُّ مسلمٍ على ثغرةٍ من دينه فلا يُؤتَينَّ مِن قِبله".

إنّ إتقانَ الأمةِ لأعمالها سببٌ عظيمٌ من أسباب صحتها، وهذا لا يكون حتى يشعرَ كلُّ فردٍ منا أنَّ عليه مسؤوليةً وله رسالة، عليه مسؤوليةٌ تجاه أمته ينهضُ بها مِن خلال ما يرى أنه مكلّفٌ بحمله، وله رسالةٌ يجب أن يبلِّغها العالمَ أجمعَ أبيضَه وأسودَه، رسالةٌ يبلّغ بها دينَ ربِّه الذي أخذ عليه العهدَ لتبليغه.

والمؤمنُ: يقدِّم مصلحةَ أمتِه على مصالحه الشخصية ونزواتِه النفسية، وهو أبعدُ ما يكون عن الأنانية وعبادةِ الذات، لذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) [ 2 ]

المؤمنُ يحملُ همَّ أمتِه ورفعةَ هذا الدين، فيعملُ إذْ يعملُ مراقباً ربَّه، محسناً عمله، مستشعراً أنه بإحسانه عمله يسدُّ الثغرةَ التي مِن قِبله، ويَنهضُ بأمته.

فالمدرِّسُ يُحسِنُ تعليمَ مَن يعلِّمه، والطبيبُ يتفانى في تطبيب مَن يُطبِّب، والمهندسُ يتقنُ عملَه ويراقبُ ربَّه، وهكذا كلُّ مَنْ كُلِّفَ عملاً يرعى ما اؤتُمن عليه.

فتكونُ نهضةً شاملةً تتنفّسُ فيه الأمةُ نفَسَ العافيةِ، وتُبصِرُ طريقَها إلى قيادة الأمم كما أرادها الله لتلك المكانة الرفيعة.

إنَّ العَجَبَ كلَّ العجب.. أنك إذا ذكّرت معلماً أو طبيباً أو غيرهم ممن يُرى أنّ عليه أمانةً يجب أن يرعاها، إذا ذكّرتَه بما يجب عليه من إحسانِ العملِ ومراقبةِ الله فيه يقول لك بملئ فيه: وهل الأمةُ معلقةٌ بعنقي!!

بربكم أهذا منطقُ مسلمٍ يحمل همَّ دينِه ورفعةَ أمته بين الأمم!!

والعَجَبُ أنك تراه يشهدُ الجُمع والجماعات، ألا فاعلموا أنّ مِثل هذا المنطق لا يَخرُجُ من مؤمنٍ صادقٍ مع ربه.

والبعضُ الآخر يقول لك: وما أستطيع أن أفعل! سبحان الله فذلك أنانيٌّ، وهذا منهزمٌ مخذولٌ.

فبمَ تبلُغُ هذه الأمةُ مبلَغها أو يبلُغُ هذا الدينُ مَبلَغَهُ؟؟ أبتلك الأنانيةِ أم بهذه الروح الانهزاميةِ المريضة!!

نعم يجب أن يستشعر كل واحد منا أنه على ثغر، وليس من سمات المؤمن التواكل والتكاسل وتقاذف المسؤوليات على غيره، بل المؤمن في دأب دائم على العمل والبناء، ولو قامت الساعة وفي يده فسيلة من زرع لزرعها كما ورد في الحديث.

وينبغي أن يستشعر كلٌّ منا أنه لو فرّط لدخل الداخلُ مِن قِبله، فاربأ، وإنّ قيمتك بما تحمِلُ مِن قيم، وقيمتُك على قدر ما تُحسن مِن عملك، كما أسلفنا عن علي رضي الله عنه قوله: "قيمة كل امرئ ما يحسنه".

وإلا ليت شعري فأيُّ قيمةٍ لمن تنكّب وأعرضَ عن تلك الهمم العالية، وجعل همَّهُ نفسه، يسعى عُمًرَهُ جاهداً خلفَ لقمةٍ يلوكها أو شهوة يقضيها!!

قال صلى الله عليه وسلم: (مَنْ كَانَ هَمُّهُ الْآخِرَةَ، جَمَعَ اللهُ شَمْلَهُ، وَجَعَلَ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ الدُّنْيَا، فَرَّقَ اللهُ عَلَيْهِ ضَيْعَتَهُ، وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا كُتِبَ لَهُ) [ 3 ]

ألا ترون أنّ هذا هو شأنُ كثيرٍ من الأنعام تسعى لتأكل، فإذا أكلت سكنت وإذا جاعت جهِدت لمثل ذلك.... والله عز وجل يقول: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى? كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} [الإسراء: 70].

لقد شُرِّف العبدُ لشرفِ وظيفتِه التي كلّفه ربُّه بها، والتي أشار إليها ربنا فقال: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56].

وعلى قدر أهل الهمم تأتي العزائم، فليست مسؤوليةُ الحاكمِ في رعيته كمسؤولية مديرٍ في إدارته، وليس أحدٌ خالٍ عن مسؤوليةٍ أبداً، فالمعلّمُ مسؤولٌ عن طلبته، وربُّ الأسرةِ مسؤولٌ عن أهله؛ فكلُّ صاحبِ عملٍ مسؤولٌ عن عمله.

قال صلى الله عليه وسلم: (كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤول عَنْ رَعِيَّتِهِ، الإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْؤولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ ومَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، -قَالَ: وَحَسِبْتُ أَنْ قَدْ قَالَ: وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي مَالِ أَبِيهِ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ- وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) [ 4 ]

فاحرصوا رحمكم الله: على أن تكون لحياتكم قيمة، واسعوا في الوصول بها إلى القيم الغالية والحصول منها على الحصص العالية.

إنّ الأعمال التي تُجمِّلُ الحياةَ وتُغليها، وتقف بها في مستوى الإجلال وتُحييها لا تعدو نوعين: 

النوع الأول: ما يتعبد به المرء ربه، وهو العنوان الصادق على الإخلاص في العبودية، وهو أخف النوعين محملاً وأقربهما تحصيلاً وعملاً، لأن الله لم يكلفنا من عبادته إلا باليسير، وشَغَلَ بها القليلَ مِن أوقاتكم وتَرَكَ لكم الكثير.

والنوع الثاني: السعي فيما تقوم بهِ هذه الحياة الدنيا من الأعمال وتتوقف عليه عمارتها، وهذا يرجع إلى الدين بإخلاص النية، وتمحيضِ القصدِ للجري على حكمة الله وتأييد سنته الكونية.

فمَن أحسنَ فجزاؤُ اللهِ له أحسن، ومن أساء فلا يحصد إلا ما زرع.

--------------- 

1 - البخاري/ 7061

2 - البخاري/ 6011 ومسلم/ 2586

3 - رواه أحمد وصححه الألباني

4 - متفق عليه

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا