الأربعاء 3 ربيع الأول 1439 - 22 نوفمبر 2017

حدث في الثالث والعشرين من المحرم

الثلاثاء 26 محرم 1439 - 17 أكتوبر 2017 106 الأستاذ محمد زاهد أبو غدة

في الثالث والعشرين من المحرم من سنة 905= 30/8/1499 استولى العثمانيون على ميناء ليبانتو في وسط اليونان، Navpaktos، بعد أن هزموا أسطول البندقية في معركة زونكيو Zonchio؛ أهم معركة في الحرب العثمانية- البندقية الثانية، والتي دامت 4 سنوات، وكانت نذير أفول شمس جمهورية البندقية، فقد استطاع العثمانيون فيها إخراج البندقية من السواحل اليونانية والاستيلاء على بعض مرافئها الأخرى في البحر الأدرياتيكي.

وكان القرن الخامس عشر الميلادي قد شهد في بدايته العصر الذهبي لجمهورية البندقية، وتذكر وثائق البندقية الرسمية في سنة 1423 أن بحريتها تكونت من 45 سفينة بحرية ضخمة حكومية وخاصة يخدم فيها 11.000 ملاح، ومن 300 سفينة نقل تجارية يخدم فيها 5.000 ملاح، ومن 3.000 سفينة أصغر حجماً يعمل فيها 17.000 ملاح، وبلغت مساحة دار الصناعة؛ صناعة السفن، قرابة 500.000 متر مربع، وبلغ عدد سكانها آنذاك 100.000 على الجزيرة وقرابة مليون في المناطق التي حولها والخاضعة لسلطانها، فكانت من الدول الكبيرة في أوروبا، ولعلها كانت أغناها بفضل تحكمها فيما يشبه الاحتكار بتجارة أوروبا مع المشرق العربي ومن ورائه الهند والصين، وفي سبيل تأمين خطوط تجارتها البحرية وإيجاد محطات لسفنها، بسطت البندقية سيطرتها على كثير من الموانئ وما يحيط بها في بحار الأدرياتيكي والأيوني والمتوسط، ولسيطرة البندقية على البحر الأدرياتيكي نجد الجغرافي المسلم الإدريسي المتوفى سنة 560=1165 يسميه: جون البنادقة وبحر البنادقة.

وكانت الحرب الأولى بين البندقية وبين العثمانيين قد نشبت قبل 70 سنة، في أيام السلطان مراد الثاني وكان محورها مدينة سالونيك في شمالي اليونان، وهي المدينة التي كان السلطان بايزيد قد فتحها سنة 489=1387، ولما أسر تيمور لِنك السلطان بايزيد في سنة 804=1402 واختلف أولاده على السلطنة، وقف الإمبراطور مانويل الثاني مع ابنه سليمان، فكافأه بعد السلطنة بأن رد له سالونيك في سنة 805=1403، وواجه السلطان مراد الثاني حالة مماثلة حين ظهر له منافس دعيٌّ اسمه مصطفى جلبي انحاز له البيزنطيون، فقرر السلطان نزع سالونيك منهم، وهاجمها في سنة 825، ولم يكن لدى حاكم سالونيك القوات ولا الموارد التي تمكنه من الدفاع عنها أمام العثمانيين، فتنازل عنها للبندقية في سنة 826=1423، وحاولت البندقية التفاوض مع السلطان مراد لإيقاف الحملة والقبول بملكيتها لسالونيك، ولكنه رفض ذلك وقال للمبعوث البندقي: إن هذه المدينة ملك أجدادي؛ انتزعها جدي بايزيد من الروم، ولو كان الروم هم الذين أخذوها الآن لوجدت لهم العذر في ذلك، ولكن ما الذي جاء بكم يا لاتين إيطاليا لتعتدوا على ممتلكاتي، ولئن لم تنسحبوا منها فلن تروني إلا وقد باغتكم.

ولم تنسحب البندقية، وبقي السلطان مراد الثاني على حصاره لسالونيك حتى سقطت في 4 رجب سنة 834= 29/3/1430 قبل أن يصلها أسطول أرسلته البندقية لفك الحصار، وردت البندقية على سقوط سالونيك بأن أرسلت أسطولها لحصار جاليبولي وإغلاق مضيق الدردنيل، وهو أمر كررت البندقية فعله من قبل ومن بعد معتمدة على تفوقها البحري على العثمانيين.

وما لبثت البندقية بعد بضعة شهور أن قبلت بالأمر الواقع، وأمرت قائد أسطولها بالتفاوض مع العثمانيين على حل سلمي، وكانت نتيجة ذلك أن وقع الطرفان معاهدة في سنة 836، رفعت فيها البندقية حصارها البحري وتنازلت عن سالونيك مقابل مراعاة مصالحها التجارية واعتراف السلطان بممتلكاتها في ألبانيا مثل شقودره والميناء الهام؛ دُورسه، ويسميه الإيطاليون دورازّو، ومنحها الأفضلية في التعامل التجاري مع السلطنة.

وبعد أن فتح السلطان محمد الفاتح استانبول في سنة 857=1453 تابع توسعه في اليونان والبلقان والبحر المتوسط، وكان جنوب اليونان المسمى المورة مقسماً بين البنادقة وبين عدة إمارات صغيرة يحكمها أمراء من أهلها أو بعض أمراء الصليبيين الذين وجدوا طريقهم إليها بعد انتهاء الحروب الصليبية، وكان يحكم ألبانيا من أبنائها حاكم شجاع مدبر اسمه اسكندر بك، وكان محتماً أن يعود السلطان محمد الفاتح ليصطدم مع البندقية التي كانت صاحبة النفوذ الأول في جنوب اليونان والبحر المتوسط، وصدف أن هرب عبد ألباني من عبيد والي أثينا بعد أن اختلس من سيده 100.000 عملة فضية، ووجد طريقه إلى البنادقة في قلعة كورون في جنوب اليونان، ولما رفضت البندقية تسليمه، شن الوالي العثماني حملة على قلعة ليبانتو وهي موقع استراتيجي للبنادقة في وسط اليونان على الخليج الفاصل بين شمالها وجنوبها، واقتربت هذه الحملة من النصر دون أن تناله، ثم استولى والي المورة، أو جنوب اليونان، على مدينة أرجوس بالحيلة، فأعلنت البندقية الحرب على العثمانيين في سنة 867=1463.

وكعادتها لم تكن البندقية ترغب في الحرب، فهي تدرك تكاليفها المالية وأعباءها الإدارية، وصوت مجلس شيوخها على دخول الحرب بأغلبية ضئيلة ما كانت لتتحقق لولا ضغوط البابا بيو الثاني الذي كان يطمح لشن حملة صليبية ضد العثمانيين، فسعى حتى أقام تحالفاً يضم كذلك هنغاريا ودوقية بورجوندي، وبدأ التحالف محادثات مع منافسي العثمانيين في الجانب الآسيوي مثل القرمانيين في جنوبي شرق الأناضول وحسن الطويل في بغداد وخان القِرِم.

وكان مسرح هذه الحرب في البر والبحر في جنوب اليونان وألبانيا، ودامت 16 سنة بين سكون وهدنة وبين نشاط واشتباك، وفي أحد أطوارها قامت خيالة العثمانيين في سنة 881=1477 بمهاجمة دالماسيا، كرواتيا اليوم، ومهاجمة إقليم الفريولي في إيطاليا، وحاصر العثمانيون مدينة شقودرة، في ألبانيا اليوم، حصاراً عنيفاً دام عدة سنوات، وشارك فيه مرة السلطان محمد الفاتح، دون أن يتمكنوا من فتحها، وانتهت الحرب في سنة 883=1479 بمعاهدة صلح تضمنت تنازل البندقية عن مدينة شقودرة مقابل بعض امتيازات تجارية، وكانت هذه أول خطوة خطتها الدولة العثمانية للتدخل في شؤون أوروبا، فقد كانت جمهورية البندقية كما أسلفنا أهم دول أوروبا وأغناها.

وتوفي السلطان محمد الفاتح في سنة 886=1481 وخلفه ابنه السلطان بايزيد الثاني الذي لم يتابع في بادئ الأمر سياسة والده في التوسع العسكري، بل اتجه لتقوية أوضاع الدولة الداخلية وألغى كثيراً من القوانين التي سنّها والده وتضمنت فرض ضرائب باهظة ومصادرة الأراضي، ومن أهم إصلاحاته إنشاء صندوق خاص لتمويل الحروب، مما يخفف حاجة الدولة لفرض الضرائب الثقيلة ومصادرة الأملاك في وقت الحروب، ومع تفضيله للسلم إلا أنه دخل في بعض الحروب في أوروبا فاستولى على الهرسك سنة 888=1483.

وكانت البندقية قد بدأت التوسع في المناطق البعيدة عن إقليمي الفريولي والفينيتو، في شمال شرقي إيطاليا اليوم، وبدأت تهدد الإمارات الأخرى في إيطاليا، والتي كان البابا يهيمن عليها، فشجعت هذه الإمارات ومعها البابا السلطان بايزيد على مهاجمة البندقية لتكف عن سياسة التوسع في البر الإيطالي، وكانت العلاقات بين السلطان بايزيد الثاني وبين دوق البندقية أجوستو بارباريجو قد توترت حتى وصلت إلى حالة الحرب في سنة 904=1499، بعد أن فتح السلطان الجبل الأسود، وأصبح يهدد مواقع البندقية في جنوب اليونان، ولما أعلنت الحرب أمر السلطان واليه على البوسنة، إسكندرَ باشا ميخائيل أوغلو، بالإغارة على إقليم فريولي التابع للبندقية، فشكل قوة من 20.000 جندي عبرت نهر إيسونزو الفاصل بين دالماسيا وبين إيطاليا وشنت الغارات في شمال شرقي إيطاليا وهاجمت مدينتي بادوفا وفيتشنزا وسارت حتى وصلت نهر آدِيجة قرب فيرونا قبل أن توقف القتال وتعود بسبب اشتداد البرد.

وعلى صعيد الحرب البحرية عهد السلطان بايزيد بقيادة الأسطول العثماني للقائد كمال ريس، أحمد كمال الدين، المولود حوالي سنة 855=1451، والذي كان قد ترأس حملات سابقة برزت فيها كفاءته، فقبل بضع عشرة سنة قاد كمال الحملة العثمانية التي تحركت لمناصرة إمارة غرناطة الإسلامية فهاجمت مالقا واحتلتها ثم جلت عنها، وبعدها بسنة نقلت المسلمين واليهود الهاربين من الأندلس إلى المناطق الإسلامية، وقبل سنتين أمره السلطان بحماية سفن التجارة والحجاج العثمانية من غارات شنها من جزيرة رودس فرسان القديس يوحنا، فأنجز ذلك ودمر عدداً من سفنهم فردعهم عن الاعتداء وإن إلى حين، وهو أمر ستكون له أهميته فيما بعد عندما تنشب الحرب بين البندقية وبين العثمانيين إذ لم يتمكن فرسان القديس يوحنا من التدخل ومساعدة البندقية.

وتكون الأسطول العثماني بقيادة كمال ريس ونائبه بُراق ريس من 67 سفينة قتال كبيرة و20 صغيرة، ونحو 200 سفينة صغيرة، وغادرت سفنه استانبول في منتصف سنة 904 وسار قسم من الأسطول العثماني إلى قبرص التي كانت البندقية قد ضمتها إليها، فاضطرت البندقية أن ترسل قوات كثيرة إليها خشية أن يستولي عليها العثمانيون.

وفي 5 محرم سنة 905=12/8/1499 وقع أول اشتباك بين الأسطولين في البحر الأيوني في أقصى الساحل الجنوبي الغربي لليونان، في معركة يقال لها معركة زونكيو، نسبة إلى رأس يمتد في البحر هناك، ويقال لها كذلك معركة سابينزا، نسبة إلى جزيرة بقربها، أو معركة ليبانتو الأولى، باعتبار مآلها في سقوط ليبانتو في يد العثمانيين.

ودامت المعركة 13 يوماً اصطدم الطرفان في 4 أيام منها،وكان يقود أسطول البندقية الأدميرال أنطونيو جريماني القبطان المخضرم، ورغم تفوق الأسطول العثماني من حيث العدد، ورغم ضعف جريماني في إدارة المعركة، استطاع البنادقة تحقيق بعض الانتصارات المبدئية، واستولوا على بعض السفن العثمانية، ولكن بحارتهم تصرفوا بفوضى مكنت العثمانيين من استعادة هذه السفن.

وانتهت المعركة في 18 محرم حين استطاعت أكبر سفينتين بندقيتين أن تحيطا بسفينة القائد بُراق ريس وتحشراها بينها، وبدأ بحارة البندقية في الصعود إليها على أمل أسرها، وحين لم يستطع براق ريس أن يخلص سفينته آثر أن يفجر مستودع البارود فيها، فدمرها مع السفينتين العدوَّتين، واستشهد هو ومعه 500 من البحارة، وقتل كذلك في الانفجار الأدميرال أندريا لوردان، سليل عائلة عريقة في البندقية، واستغل هذه الفوضى كمال ريس وبدأ يقصف سفن أسطول البندقية ويغرقها واحدة تلو الأخرى، وانسحب أسطول البندقية في هزيمة لم يسبق لها مثيل، وحاسبت البندقية الأدميرال جريماني على هذه الهزيمة وأودعته السجن، وسمى الأتراك جزيرة سابينزا جزيرة براق ريس، وكانت هذه أول معركة بحرية في التاريخ تخوضها السفن المسلحة بالمدافع، وتظهر الصورة المرفقة سفينتا البندقية وقد حشرتا بينها سفينة براق ريس.

واتجه كمال ريس شمالاً نحو ليبانتو الواقعة على خليج باتراس الفاصل بين شمال اليونان وجنوبه اليونان؛ المورة، ليلتقي مع القوات البرية التي تحركت من سالونيك، واستولى على ليبانتو في 23 محرم سنة 905= 30/9/1499 دون كبير قتال، واتخذ كمال ريس من جزيرة شفالونيا عند مدخل خليج باتراس في وسط الساحل الغربي لليونان قاعدةلأسطوله وأصبح عملياً يتحكم بالشاطئ الغربي لليونان.

وبعد المعركة بشهرين أرسلت البندقية مبعوثاً للتفاوض مع السلطان بايزيد على اتفاق سلام ولكن المفاوضات فشلت، فطلبت البندقية العون من الدول الأوروبية ولكنها لم تلق كبير استجابة سوى من إسبانيا التي أرسلت أسطولاً يقوده الدون كونسالفو دي كوردوفا.

وبعد بضعة أشهر هاجمت البنادقة والإسبانيون ليبانتو واستولوا عليها ضمن حملة لاسترداد ما خسرته البندقية في سواحل غرب اليونان، ولكن كمال ريس جاء من قاعدته في جزيرة شفالونيا وهزمهم واستردها منهم، وبقي فيها شهرين يرمم سفنه على يد 15.000 نجار وحداد وفني، وجعل كمال ريس من ليبانتو قاعدة له يهاجم منها موانئ البندقية في الشاطئ الغربي لليونان.

وكان أول أهدافه مهاجمة ميناء كورفو في الشمال، فهزم سفن البندقية التي كانت تحميه، ثم اتجه جنوباً وهاجم في 13 محرم سنة 906=9/8/1500 قلعة مودون والبنادقة غافلين لاهين في غمرة احتفالهم بوصول المدد مع 4 سفن كبيرة فقصفها من البحر ثم استولى عليها، وتعرف هذه بمعركة ليبانتو الثانية، ثم اتجه قريباً منها فاشتبك مع أسطول البندقية أمام ساحل كورون وفتح المدينة واستولى على سفينة سريعة تابعة لأسطول البندقية، ثم تواجه مع أسطول البندقية مرة أخرى امام جزيرة سابينزا وأغرق السفينة الحربية الكبيرة ليتزا، وأمضى سنة كاملة يتابع هجماته الظافرة على موانئ البندقية في سواحل اليونان، واستولى عليها ميناء تلو الآخر حتى استطاع القضاء على الوجود البندقي في جنوب اليونان المعروف بالمورة، بما في ذلك جزيرتي مودون وكورون اللتين كانت البندقية تسميهما: قرتا العين.

ولكن الأسطول البندقي الإسباني المشترك حاصر جزيرة شفالونيا في منتصف سنة 906 قرابة شهر ونصف حتى استسلمت قلعتها، ورغم هذه الخسارة الفادحة تابع كمال ريس معاركه مع البندقية، وجعل مقر أسطوله شمال خليج باتراس في جزيرة ليفكادا، والتي يسميها الإيطاليون سانتا ماورا، وهي جزيرة ذات أهمية استراتيجية لموقعها المتوسط ولمرفئها ذي الحماية الطبيعية، وكان العثمانيون قد فتحوها سنة 884=1479 وبنوا فيها قلعة ضخمة شديدة التحصين.

وفتح العثمانيون في هذه الحرب ميناء دورسه في ألبانيا، ويسميه الإيطاليون دوراتزو، بعد أن بقي في يد البندقية قرابة 100 سنة، وكان سقوطه خسارة كبيرة للبندقية، ويعتبر المؤرخون كمال ريس من أعظم قادة الأسطول العثماني، فقد استطاع في فترة وجيزة مواجهة أقوى أسطولين في ذلك الزمن؛ أسطولي البندقية وإسبانيا، ولذا تحمل اسمه عدة سفن في البحرية التركية اليوم.

وبعد هذه المعارك البحرية الظافرة اتجهت عناية السلطان بايزيد الثاني لتقوية البحرية العثمانية ضمن خطة لجعلها إمبراطورية قوية في البحر كما هي قوية على البر، فأمر ببناء السفن على نطاق واسع وتذكر الموسوعة التاريخية العثمانية أنه في شتاء سنة 1500 أمر ببناء 50 سفينة كبيرة و200 سفينة متوسطة مزودة بالمدافع

وفي 24 شوال سنة 906=13/5/1501 نجحت جهود البندقية بتشكيل تحالف مع هنغاريا لمواجهة الأتراك، وتعهدت بموجبه البندقية أن تدفع سنويا 140.000 دوقة ذهبية للملك الهنغاري فلاديسلاف الثاني مقابل أن يحشد قواته على الحدود الجنوبية لكرواتيا، ويهدد القوات العثمانية في دالماسيا، وانضم إلى الحلف البابا وفرنسا وإسبانيا، واستطاع الحلف تشكيل اسطول كبير يتكون من 50 سفينة حربية كبيرة من البندقية انضمت إليها 13 سفينة أخرى أمدهم بها البابا و4 سفن فرنسية و3 سفن من فرسان القديس يوحنا في رودس، وكان أول هدف لهذا الأسطول جزيرة ليفكادا ذات الموقع الاستراتيجي، وفوجئ كمال ريس بهذا الأسطول الضخم الذي لم يكن لديه ما يواجهه، فأخلى الجزيرة في سنة 908=1502، وانسحب إلى استانبول حيث أمر ببناء سفن جديدة استغرق بناؤها 5 شهور، ولما أراد أن يعود لمواجهة البندقية أصابه مرض أقعده، ولم تتحقق هذه الحملة فقد وقع الطرفان بعدها بقليل معاهدة سلام في القسطنطينة.

وكان لكل من الطرفين أسبابه في السعي وراء الصلح، ذلك إن العثمانيين أغاروا من البوسنة على المناطق التابعة للبندقية في شمال إيطاليا، فاضطر البنادقة لطلب الصلح، أما السلطان بايزيد فواجه عصياناً من أولاده في الأناضول، فاضطربت أحوال السلطنة الداخلية.

وأرسل البنادقة أندريا جرِيتّي إلى استانبول للتفاوض مع السلطان، وكان هذا تاجر حبوب أمضى شطراً كبيرا من حياته في استانبول، وعلى معرفة وثيقة وصداقة مع كثير من رجالاتها، وكان السلطان من قبل قد سجنه في سنة 1499 مدة 32 شهراً عندما اكتشف أنه يرسل للبندقية أخبار العثمانيين في رسائل مشفرة.

وتمخضت المفاوضات بمعاهدة وقعها الطرفان في سنة 908=1503 تضمنت تنازل البندقية عما فتحه العثمانيون وانسحابها من مناطق أخرى بما فيها جزيرة ليفكادا مع بقاء جزيرتي شفالونيا وزانتا في يد البندقية، على أن تدفع البندقية للسلطان مبلغ 10.000 عملة ذهبية سنوياً، وبرزت مهارة جريتي في المفاوضات فلمع نجمه وآل أمره إلى أن أصبح دوق البندقية بعد 20 سنة وحكمها قرابة 15 سنة.

ولم تكن هذه نهاية الحروب مع البندقية التي بقيت علاقاتها التجارية وئيقة جداً مع السلطنة العثمانية، وإن سادها التوتر في الجانب السياسي، وسيخوض البلدان بضعة حروب في المستقبل أهمها معركة ليبانتو الثانية في سنة 979=1571 والتي خسرها العثمانيون خسارة فادحة، وحصار العثمانيين لجزيرة كريت حتى فتحها في سنة 1080=1669.

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا