الخميس 28 محرم 1439 - 19 أكتوبر 2017

كلمات في الانتقادات الموجهة إلى الصحيحين

الأحد 17 محرم 1439 - 8 أكتوبر 2017 276 د. علي محمد زينو
كلمات في الانتقادات الموجهة إلى الصحيحين

بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله.

إنّ مما يتوجب علينا التمييز بين نوعين من الانتقادات الموجهة إلى الأحاديث النبوية عموماً، وإلى أحاديث الصحيحين خصوصاً

وهذان النوعان يُساقان معاً؛ ليُوهم السائقون الناسَ أنّ النوعين متعاضدان، وهما ـ في الحقيقة ـ متعارضان أشدّ التعارض، بل إن أحدهما يدحض الآخر!

أما النوع الأول فهو الانتقادات التي وجّهها بعض الحفّاظ إلى ما صحّ من الأحاديث، بناءً على اجتهادات لهم في شروط قبول الرواة والمرويات.

وهذا النوع هو من جنس «النقد الداخلي» أعني: داخل منظومة علوم الحديث.

وأما النوع الثاني فهو الانتقادات الخارجية التي لا تصدر عن قوانين منظومة علوم الحديث.

ويُمكن تقسيم هذا النوع إلى أنواع مختلفة؛ كدعاوى التعارض مع القرآن، أو مع العقل، أو مع المبادئ الإسلامية العامة، أو مع المبادئ الإنسانية العامة.

وأنا أقسّم هذه النوع الثاني ـ قسمةً أراها هامةً للغاية ـ إلى نوعين رئيسيين:

قسم يتضمن الانتقادات التي أثارتها العلوم والمعارف العصرية.

وقسم لا يستند إلى العلوم والمعارف العصرية.

أما القسم الأول فهو جدير بالنظر في انتقاداته نظراً عميقاً لكن بشرط تمكُّن الناقد والمدافع من العلوم والمعارف العصرية باعثة الانتقاد في زعم الناقدين.

أما القسم الثاني ـ وأدعو إلى الانتباه لِما أقول ـ فهو شُبَهٌ مكرورة مُعادَة طُرحت على السنة والصحائح جيلاً بعد جيل ودهراً بعد دهر؛ ذلك أن القرآن والعقل والمبادئ الإسلامية العامة والمبادئ الإنسانية العامة ليست وليدة عصر معيّن، بل هي موجودة قديمة، بعضها قِدَمَ الإسلام، وبعضها أقدم منه.

ويعرف العارفون أنها قد غصّت بهذه الشبه والاعتراضات كتبُ الفِرق والعقائد والحديث والفقه وغيرها؛ ولا يقوم المشككون المعاصرون سوى بإعادة صياغتها من جديد، وإلباسها لبوساً عصرياً تمويهاً على الناس، وتضليلاً لهم.

وعليه... فإني أزعم أنّ النوع الأول من الانتقادات ـ أعني: التي هي من جنس «النقد الداخلي» ـ ليست في صالح المنتقدين انتقادات النوعِ الثاني، بل هي سلاحٌ عليهم لا لهم؛ لأنّ زمرة النوع الأول من الانتقادات قد فُرغ منها وأجيب عليها خصوصاً فيما يتعلق بالصحيحين؛ حيث إنهما لم يتبوّآ المنزلة التي تبوّآها عند أهل السنة إلا بعد اجتيازهما قنطرة النقد الداخلي وثبوت أنهما صحيحا الأحاديث فعلاً، وأن انتقادات الدارقطني وغيره مما يحاول المشكّكون العصريون استحضاره ما هي إلا اجتهادات مرجوحةٌ في المجمل، أو هي لا تعدو اجتهادات خاصة غير ملزمة لغير أصحابها في أحيان نادرة.

وإنني أزعم أيضاً أنّ انتقادات النوع الثاني ـ وهي التي لا تصدر عن قوانين منظومة علوم الحديث ـ لا يُجاب عليها حديثياً، بل يُجاب عليها أُصولياً؛ عن طريق كشف عوار أصحابها وبيان جهلهم في علوم أصول الفقه، وأعني منه بالتحديد: أبواب دلالات النصوص، والتعارض والترجيح؛ إضافة إلى الجهل الفاضح في علوم الآلة وتحديداً علوم اللغة والمنطق.

إنه من غير المستطاع علمياً إثبات النقد العلميّ (الحديثي أو الدلالي) للسنة النبوية الصحيحة ولكتابَي الصحيحين على وجه الخصوص؛ لأنّ ذلك النقد لو كان ممكناً لوجّهه لهما آلاف بل عشرات آلاف من العلماء الذين مروا على هذه الأمة قروناً طويلة؛ ممن هم أرسخ في العلم أقداماً، وأبسق قاماتٍ من نوابت هذا الدهر الذين لا يُحسنون إلا البحث عن الشُّبَه غير المنتظمة في سلك؛ لأجل طرحها وتقديمها على عوامّ الناس اصطياداً في الماء العكر، بل تعكيراً للماء الصافي ليتأتّى لهم الاصطياد فيه...

قال الله تعالى: {مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ ** إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ} [الصافات: 162، 163].

والحمد لله رب العالمين

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات