الثلاثاء 29 ذو الحجة 1438 - 19 سبتمبر 2017

كلمة وفاء للدكتور محمد أديب صالح

الخميس 12 شوال 1438 - 6 يوليو 2017 168 كاتب الترجمة : الأستاذ نبيل شبيب

 

توفي يوم ٢/ ٧/ ٢٠١٧م رحمه الله

كان كما "يجب أن يكونَ عليه العلماء من استقامة وثبات على الحقِّ من غير مداهنة ولا مماراة. وهو رجلٌ متواضع سَمح يُؤنس إخوانه بلطفه، مع غَيرة صادقة على الإسلام، وحرص على المسلمين"

رحمه الله تعالى وأسكنه فسيح جنانه، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، فقد أعطى منذ نشأته الأولى ما استطاع حتى وفاته، بل تذكرنا وفاته أيضا بأن بلادنا عرفت في هذه الحقبة التاريخية من العلماء الأبرار العاملين المجاهدين الصادقين من ندين لهم جيلا بعد جيل بفضل كبير، بما حفظوه وجددوه من علم، وما نشروه وعززوه من وعي، وكيف كانوا طوال حياتهم ومن بعد رحيلهم إلى كنف الله عز وجل في موقع القدوة الصالحة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

وأرجو الاعتذار لأهل الفقيد ومحبيه، ولأقرانه من العلماء الصادقين العاملين المخلصين، ولا أحسب نفسي إلا بعض أهله، تلميذا بين يدي كتبه وعبر اللقاءات المعدودة معه.. إنه الاعتذار أن يتسرب إلى هذه الوقفة القصيرة وفاء للفقيد، كلمات تتجاوز المعتاد إلى تذكير فريق من شباب بلادنا في هذه الحقبة التاريخية وما يقع فيها من فواجع كبيرة، بخطر استفحل في السنوات الأخيرة استفحالا كبيرا، فلا بد من التأكيد أنّ كلّ تعميم سلبي أو إيجابي يعود بالضرر علينا علما ومعرفة ووعيا وتعاملا مع بعضنا بعضا. لئن كانت الآلام مما نشهد من أحداث تدفع بعضنا إلى نقد من يوصفون بحق أنهم وضعوا أنفسهم بأنفسهم في خانة "علماء السلاطين" فلنحذر أشد الحذر من تعميم تلك المقولة وأشباهها على علمائنا جميعا، ولنحذر أشد الحذر من الإسهام فيما يريده أعداء بلادنا وشعوبنا وقضايانا وديننا من أن نقوّض بأنفسنا مكانة قيمنا ومنزلة من يجسد هذه القيم بعلمه وعمله وواقع حياته.

الأستاذ الدكتور محمد أديب صالح، "العلاّمَةُ الأصولِيُّ المُحَدِّثُ المُفَسِّرُ الفَقيهُ المُعَلِّمُ المُرَبّي الكاتِب الخَطيب المُجاهِد في سَبيلِ اللهِ عَزَّ وَجَلّ بلِسانِهِ وقَلَمِهِ وعَمَلِهِ على امتِدادِ حَياتِهِ التي تَجاوَزَت بهِ التِّسْعين مِنَ العُمر" - كما يشهد على ذلك أستاذي الجليل عصام العطار حفظه الله - شاهد على ما يمكن أن يصنعه العالم الفرد في حياة الأمة، وإن كانت تمرّ بفترة من أقسى ما عرفته على امتداد القرون الماضية، كذلك وإن كان العالم الفرد نفسه يعيش في ظروف بالغة الصعوبة، أثناء وجوده وعطائه في موطنه الأصلي ثم خلال ترحاله واستمرار عطائه خارج حدود بلده الأصلي.

ولا أحسب إلا أنني فرد من عدد كبير لا يحصى من أهل بلادنا كانوا كما كنت في سن النشأة الأولى قبل الشباب، عندما وجدت عطاء العالم الفقيد يساهم في رسم معالم الطريق بين يديّ، عندما كان رئيس تحرير مجلة "حضارة الإسلام" في دمشق، ولئن جاز لي بعد خمسين عاما في عالم الإعلام تصنيف بعض "المجلات الإسلامية" في المقدمة من تاريخ إعلامنا باللغة العربية، فمجلة "حضارة الإسلام" تحتل مكان الصدارة إلى جانب "الأمة" و"المسلم المعاصر"، فهي المجلات التي رسمت المعالم الكبرى لرؤية مستقبلية حضارية في أبعادها، منهجية في طريقها، وقد ارتقت إلى ما فوق الانتماءات الحركية وغير الحركية، وإن كانت بدايات نشأتها مرتبطة باتجاه من الاتجاهات في تاريخ الدعوة.

كانت مجلة "حضارة الإسلام" ثقافية حضارية، وفكرية أدبية، وحركية توجيهية، ولم أكن أعي بوجودها عندما أسسها وترأس تحريرها "مصطفى السباعي" رحمه الله، إنما طالعتني فيها لأول مرة أقلام أساتذتي الأوائل من علماء تلك الفترة، ومنهم الأستاذ "د. محمد أديب صالح" رحمه الله، إذ استلم رئاسة تحريرها بين عامي ١٩٦٤ و١٩٨١م، وبقيت أتابعها لاحقا قدر المستطاع من دار الغربة في ألمانيا بعد ١٩٦٥م، ولم يكن ذلك سهلا قبل ظهور الشبكة العنكبوتية وثورة وسائل الإسلام الحديثة، وأكرمني الله تعالى بصحبة أستاذي الجليل عصام العطار منذ ذلك الحين، كما أكرمني بأكثر من لقاء مباشر -أشبه بكنز ثمين- مع بعض من عرفتهم عبر كتبهم وكتاباتهم، وكان منهم الفقيد رحمه الله.

 

لم أكن أعي في تلك الفترة مدى تأثير تخصص العالم الفقيد في "علم أصول الفقه" على افتتاحية المجلة بقلمه كرئيس تحريرها، رغم تنوّع ما كانت تطرح من مواضيع، وقد اجتمع من افتتاحياته تلك مجلدان بعنوان (معالم في الغاية والمنهج) فيما بعد، إنما لم يمنع ضعف الوعي أن يكون تأثير ما كنت أقرؤه كبيرا على اقتناعي إلى اليوم بأن "علم أصول الفقه" هو الأساس الذي نحتاج إليه في عصرنا هذا بإلحاح كبير، لاستئناف ما انقطع من حبال الاجتهاد منذ قرون وقرون، فعلم أصول الفقه من أسس مشروعية تجدّد أحكام الإسلام الاجتهادية دون استثناء، مما يحقق عبر التطبيق العملي صلاحيتها - بهذا التجديد وبقابلية التعدد في الاجتهادات - لكل زمان ومكان، وعلم أصول الفقه أشبه بالمرجعية التي يمكن العودة إليها لتخفيف وطأة الشطط في تبني مذهب بعينه أو اجتهاد بعينه بدلا من تعايش الجميع بقدر ما يتلاقون على كلمة مالك بن أنس رحمه الله تعالى: "كل يؤخذ منه ويترك إلا صاحب هذا القبر"، نبينا محمد صلوات الله تعالى عليه وعلى كافة الأنبياء والمرسلين.

وقد كان أستاذنا الفقيد في أكثر من بلد وفي أكثر من جامعة مرجعا في علم أصول الفقه وتدريسه، بل وضع المناهج الجامعية المعتمدة في تدريسه، ومرجعا في تحقيق أهم كتبه، وتخريج أحاديثها، وبيان العلاقة الوثيقة بين القواعد الأصولية التشريعية وعلم الحديث، فكان في مقدمة ما حققه من كتب "تخريج الفروع على الأصول" للإمام الزنجاني، ولعل أحدثها كتاب "علم أصول الفقه" لعبد الوهاب خلاف رحمه الله، كما كانت رسالة الدكتوراة في الحقوق للفقيد بعنوان "تفسير النصوص في الفقه الإسلامي/ دراسة مقارنة".

ويبقى أثر الموقع المركزي لعلم أصول الفقه بين العلوم الإسلامية واضحا في إنجازات أخرى للعالم الفقيد، علاوة على مؤلّفه المشار إليه "تفسير النصوص في الفقه الإسلامي" مثل "مصادر التشريع الإسلامي ومناهج الاستنباط" وحتى في كتبه الفكرية والدعوية الأخرى، لا سيما سلسلة كتب (معالم قرآنية في البناء).

ونلمح مكانة أصول الفقه، علاوة على أهمية تخريج الحديث واللغة العربية، في بصماته الظاهرة للعيان على امتداد سبعين عاما وزيادة، في تأسيس عدد من الكليات والأقسام الجامعية ورئاستها وتطوير مناهج التدريس فيها، في سورية والأردن والسعودية، وكذلك ما شارك فيه من تقويم الرسائل الجامعية، والتحكيم في إجازة التدريس الجامعي وفي صلاحية نشر الدراسات والكتب، وما قدمه من أحاديث إذاعية.. والقائمة طويلة، ولا بد من التنويه تخصيصا بما كان - رحمه الله - يعلق من أمل كبير على جيل المستقبل، وقد عبر عن ذلك في مواضع عديدة من كتبه، ومن ذلك إرشاده في مقابلة مطولة، لعدد من أسباب تأهيل الشباب لأداء مهامهم الكبيرة، ومن ذلك:

أ ـ ربط الشباب بالأصول في فهم كتاب الله، والوثوق بالحديث النبوي وفهمه، وما يؤصل ثقتهم بمواجهة نصوصهما ومناهج العلماء في فهمها، مما يجعلهم على بينة، وينأى بهم عن الإفراط والتفريط.

ب ـ العمل على ترسيخ صلتهم بنماذج من أعلام هذه الأمة عبر التاريخ، لكيلا ينساقوا مع تفسيرات مادية لتاريخنا، أو إغراق في نظرات تجعل من التاريخ متعبة للشباب.

ولعل خير ما يقال في أستاذنا الفقيد اليوم، ما قاله قبل عامين عن أخيه أستاذنا المؤرخ محمود شاكر غداة وفاته:

(إن الشيخ محمود شاكر عالم في تخصُّصه، موهوب في عمله، موفَّق في مصنَّفاته. وهو يجمع إلى العلم مكارمَ الأخلاق، وما يجب أن يكونَ عليه العلماء من استقامة وثبات على الحقِّ من غير مداهنة ولا مماراة. وهو رجلٌ متواضع سَمح يُؤنس إخوانه بلطفه، مع غَيرة صادقة على الإسلام، وحرص على المسلمين)

 

ومن أراد المزيد يجده على لسان الفقيد في مقابلة نشرها موقع (رابطة العلماء السوريين) قبل عشرة أعوام وقد أجراها معه الشيخ الفاضل مجد مكي في حينه.

http://www.islamsyria.com/portal/article/show/138

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا