الثلاثاء 29 ذو الحجة 1438 - 19 سبتمبر 2017

فن التربية عند الغزالي

الأحد 19 ذو الحجة 1438 - 10 سبتمبر 2017 101 الأستاذ سليمان دنيا

 

أعجبني وأنا أقرأ للغزالي، عنايته بالمعلم والمتعلم، وحرصه على أن يضع لهما من القواعد ما يكفل النجاح في مهمَّتهما الخطيرة، وتمنيت أن لو تخلينا عن هذا الادعاء الكاذب، والغرور الأحمق، وأعدنا النظر في هذه القواعد، فأخذنا منها ما تسمح به ظروف العصر، ولا يتعارض مع الأسس العامَّة لنظام الجماعة.

نعم إنَّه ادِّعاءٌ كاذب ذلك الذي يسوِّل للبعض أن تطوُّر نظام الجماعة قد حال دون الانتفاع بالقديم، والوقوف عنده إلا بقدر الرثاء له، والترحم عليه.

استمعت منذ أيام إلى مَعِنيِ بشؤون التربية والتعليم في هذا البلد، يتحدَّث في مؤتمر عام، فيرجع السر في بلبلة أفكار الشباب، وحيرته واضطرابه إلى ما ورثه من أفكار عتيقة بالية، لم تستطع هي أن تُساير به مُقتضيات العصر، ولم يستطع هو أن يتخلَّص من كابوسها، وخير وسيلة في نظره لنهوض الشباب وإقالته من عثرته تخليصه من هذه الأفكار وإعداده إعداداً يحول بيننه وبين القديم.

يا له من كلام غير مفهوم! 

إنَّ أوروبا التي تعتبر المثل الأعلى في نظرهم للنهوض والرقي، لم تقطع صلتها بقديمها، فهي تدرس أفلاطون وأرسطو، وتنشر آثارهم العلميَّة على العالم في شتى اللغات، رغم ما كشف العلم الحديث عن أخطاء وغلطات في هذه الآثار، لم يعد إلى الإيمان بصحتها سبيل، بل إنها لتدرس من دون أفلاطون وأرسطو: تدرس طاليس، وانكمسندر، وأنكسمين، ولم تر في هذه الدراسة ما يقف حجر عثرة في سبيل نهوض أبنائها.

بل لقد قلدناهم نحن، في الحفاوة بهؤلاء العلماء، فأدخلنا علومهم ومعارفهم في مدارسنا، وجامعاتنا، وأصبح لزاماً على شبابنا أن يعرف ما قاله طاليس في الماء، وما قال انكسمندر في المبهم أو اللامتناهي، وما قال أنكسمين في الهواء، وما قال هيرا كليت في النار، وما قال أمبيدوكل في الماء والهواء والنار والتراب.

فأي قديم ينعى عليه هذا المربي الفاضل، ويحمله وزر هذا التأخر؟

أهو تاريخ الفكر الغربي، منذ طاليس...الخ؟!

أم هو تراثنا الإسلامي القومي؟!

هي نزعة مُغالية هدَّامة، تلك التي تَرمي إلى قطع كل صلاتنا بالقديم، فلا شك أنَّ في هذا القديم من عناصر القوة ما نستطيع أن ننتفع به في بناء جديد صالح، وفيه ما كان خاصاً ببيئة معينة، وظرف معين، فلا علينا أن لا نأخذ به، ما دام لم يعد صالحاً لعصرنا وظروفنا.

وهذا شيء من فنِّ التربية عند الغزالي ينهض دليلاً على أنَّ تراثنا الإسلامي فيه من عناصر الصلاحية لمسايرة رقيِّنا المنشود، ما هو جدير بالنظر والاعتبار.

من واجب المتعلم:

أولاً: (أن يُقدِّم طهارة النفس عن رديء الأخلاق، فكما لا تصح عبادة الجوارح في الصلاة إلا بطهارة الجوارح – والعلم عبادة النفس، وفي لسان الشرع عبادة القلب – فلا يصحُّ إلا بطهارة القلب عن خبائث الأخلاق، وأنجاس الصفات...).

عبارات فيها الصلاة والطهارة، فيظنها أولئك العصريون أحاديث رجل فقيه قديم، ما له وللتربية والتعليم!

ولكنك إذا أنعمتَ النظر فيها وجدتَها حِكمة خبير مجرِّب، عَرَكَ الحياة العلميَّة، وتقلب في شتَّى مَرَاحلها، وتقلَّد كثيراً من مَنَاصبها، وكان له تَلاميذ يُعدون بالمئات، وكان له أنداد، وكان له منافسون.

هذا المجرب، يريد لطالب العلم أن لا يتخذ منه سبيلاً للقوت وكسب الرزق، ولا طريقاً للشهرة وذيوع الصيت، فإنَّ كل أولئك أحقر من أن يكون العلم في خدمتها، أو أن يتخذ وسيلة إليها.

وإنما يُريد له أن يطلب العلم لذاته، فهو الكمال الأعلى الذي ليس فوقه كمال، بل كل كمال دونه، في خدمته. هو غاية النفس الشريفة، ومنتهى آمالها.

وكما هو مقرَّر في الفلسفة الإنسانية لا يستطيع العقل أن يفرغ لأعماله العلميَّة إلا إذا كانت مملكته – أعني قوى بدنه: من الشهوة والغضب – على حال من الانسجام والاعتدال والوئام، تمكنه من مُزاولة وظيفته الأساسية التي هي كسب المعارف، وتحصيل العلوم.

أما إذا كانت هذه المملكة على غير ما يَليق بها من الاعتدال، صرف الفكر وقته وجهده في تهدئة الحال، وتسكين الفتن، فإما غلب فعاد إلى استئناف عمله، وتكميل نفسه، وإما غُلب فظلَّ تائهاً في مهامه هذه المملكة ضالاً في بيدائها.

والانسجام بين قوى البدن: من الشهوة والغضب، هو طهارة القلب عن خبائث الأخلاق وأنجاس الصفات).

ثانياً: (أن يُقلِّل علائقه من الأشغال الدنيويَّة، ويبعد عن الأهل والولد والوطن، فإنَّ العلائق صارفة وشاغلة للقلوب. وكلما توَّزعت الفكرة، قصرت عن درك الحقائق).

يريد الغزالي لطالب العلم، في فترة التحصيل والاستذكار، أن يفرغ نفسه من المشاغل والصوارف.

وإذا فُهِم العلم على أنَّه الحاكم الذي ينظِّم شؤون الكون، ويدبِّر أمورَه على الوجه الأصلح، أمكن لنا أن نفهم وجوبَ تخلي طالب العلم عن الاشتغال بالأمور العامَّة، لأنه ما دام طالب علم، يكون غير مُستكمل لكل ما يلزمه من عِدَّة، لكي ينزل إلى الميدان قائداً مصلحاً.

أما البعد عن الأهل والولد والوطن في طلب العلم، فليس شيئاً غير ما نفعله في القرن العشرين، من إيفاد البعوث إلى جامعات أوروبا وأمريكا، وغير ما نشترطه أحياناً في بعض المبعوثين من وجوب أن لا يكون لهم أو معهم زوجة ولا ولد.

ثالثاً: (أن لا يتكبَّر على المعلم، بل يلقي إليه بزمام أمره، في تفصيل طريق التعلم، ويذعن لنصحه إذعان المريض للطبيب).

وبهذا يحرص الغزالي على إيجاد علاقة نفسيَّة روحيَّة – لا رسمية قانونية - بين المعلم والمتعلم، أشبه بتلك العلاقة التي توجد بين المريض يركِّز كلَّ أمله في الشفاء والتمتع بنعيم الحياة، في طبيبه، وبين هذا الطبيب الذي يكون أهلاً لكل هذه الثقة.

أرأيت إلى هذه العلاقة، وكيف تقوم على أساسين قويين: وثوق، وكفاية؟!

وثوق من جانب المتعلم في معلمه، وفي مقدرته على الوصول به إلى حيث يريد من الكمال العلمي، وهذا الوثوق يجعل المتعلم، طواعية واختياراً، رهن إشارة المعلم، وطوع أمره.

وكفاية علميَّة من جانب المعلم، ودراية بقيادة النفوس، ورياضتها على الفضيلة العلميَّة والعمليَّة.

نعم: إنَّ الغزالي لم يعرض في هذه النصوص لكفاية المعلم، ولكنه عرض لها في نص آخر، فأوجب أن يكون على هذا النحو من الكمال، وربما عرضنا لها في مقال آخر.

أرأيت إلى العلاقة بين المعلم والمتعلم، إذا قامت على هذا النحو! 

سَلْ العلم والعلماء عن فوائدها، وعما يمكن أن يجنيه المجتمع من جرّائها.

سل المعلمين في هذا العصر، عن شكواهم من انحطاط المستوى العلمي، هل يجدون له من سبب سوى فقدان هذه العلاقة؟!

رحمك الله يا أبا حامد! لقد كنتَ تشقُّ للعلم طريقه إلى النفوس، والعلمُ هو العلم في كل عصر، والنفوس هي النفوس، لذلك لم يكن غريباً أن يكون عصرنا الراهن بحاجة إلى أن يأخذ بنصائحك ووصاياك.

هذا ولم نستوفِ بعد كل واجبات المتعلم عند الغزالي.

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. 

المصدر: (مجلة لواء الإسلام، العدد 11، من السنة الأولى، 1367 -1947).

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا